عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
65
مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )
[ الصفات الواردة من المحبوب ترجع إلى ثلاث صفات : جمال وجلال وكمال ] تنبيه : واعلم أن الصفات الواردة من المحبوب وإن كانت لا تنحصر كثرة ، إذ هي تتعاقب على الساعات ، وتختلف باختلاف الحالات ، فإنها ترجع بالجملة إلى ثلاث صفات : صفة جمال وصفة جلال وصفة كمال . فمن تجلّى له محبوبه بنعوت البهجة للنفوس من الجود والإحسان ، والرحمة والامتنان ، والعطف الشامل ، واللطف الكامل ، ورفع الحجاب ، وتيسير أسباب الاقتراب ، وسائر الصفات البهيّة ، الجليلة النورية ، والنعوت المبهجة النسبيّة الموجبة للانبساط والأنس واللذّة والسرور فيقال إنّه مشاهد لصفات الجمال . ومن تجلّى له بنعوته الواجبة له من العزّ والقهر والعظمة والجبروت والسطوة والقدوة والاستيلاء ونظر إلى نفسه فرآها فقيره مقهورة ناقصة ذاهبة في عزّ كبريائه وقهر سلطانه فوجد لذلك في نفسه من الدهش والذهول ما يكاد يطمس معالم ذاته ، ويفني رسوم صفاته ، فيقال إن هذا مشاهد لصفات الجلال . ومن تجلّى له بصفاته التي لا تليق إلا به من العلم والقدرة والانفراد بالخلق والإيجاد والغنى المطلق والقيّومية التي قام بها سائر الموجودات وعلم ما له من السنا والبهاء والنور الفائض على سائر الموجودات ، وإن ظهورها كلها به ووجد في نفسه بذلك من المحبة والشوق إلى كمال المعرفة به ما لا يعلم حقيقته إلا بارئه ، فيقال إن هذا مطالع لصفات الكمال . فصفات الجمال توجب الانبساط والأنس ، وصفات الجلال توجب الفناء والمحو ، وصفات الكمال توجب المحبة والشوق . ولهذا قالوا : « من كوشف بصفات الجمال عاش ومن كوشف بصفة الجلال طاش » . وبسط القول في هذه الصفات لا يليق بنا شرحه ، فإن العقول لا تسع أكثر من هذا : [ من الوافر ] وجودي أن أغيب عن الوجود * بما يبدو عليّ من الشهود وما لي في الوجود كثير حظّ * ولكن وجد موجود الوجود فصل في الأنس ومعناه سرور القلب بشهود جمال الحبيب ، من غير استشعار رقيب ، بل مع الغفلة عن الماضي والمستقبل . وهذه الحال توجب انتعاش المحب وفرحه بطيب عيشه وصفاء وقته ، فإنّه بما فيه من البهجة والطرب الروحاني يخيّل له أن جميع الكائنات تشاركه في صفاء وقته وطيب حاله ، فهو يشاهد حالته تلك في تفتّح كمام النوّار ، وتبلّج ثغور الأزهار ، وتوريد خدود النعمان ، وانعطاف قدود البان ، ولطافة مرّ النسيم ، وطلاقة مرأى الوجه الوسيم ،